تبلیغات
پایگاه نماز

الاستاذ الشیخ محمد مهدی الآصفی

هذا المقال یتناول أهمّ مضمار تربویّیمارسه الانسان المسلم مرّات كل یوم. والتربیة الاسلامیّة ترتبط كل الارتباط بوحدة الامة والتقریب بین فصائلها. لانها تتوجه الى توحید القلوب نحو عبادة اللّه الواحدالاحد، وبدون هذه التربیة تتفرق القلوب نحو آلهة شتّى مزیّفة وسرابیّة، ویحدث عندها النزاع والشقاق.

إن تربیة النفوس قادرة دون شك على توحید الصفوف اكثر منالدراسات والبحوث التقریبیة والمقارنة. وهنا تتجلى أهمیة التوجه التربوی فی رسالة التقریب.

1- معنى حضور القلب

2- فضیلة وقیمة تحضیرالقلب

3- مناهج تحضیر القلب للصلاة

1- معنى حضور القلب

ماهی الغایة من الصلاة؟ وكیف نصلی؟

سؤالان یؤول الثانی منهماالى الاول. فان كیفیّة الصلاة هی الى تحقق الغایة من الصلاة.

وللجواب على السؤال الاول أقول: إن (الذكر) هو الغایة من الصلاة.

یقول تعالى: (اقم الصلاةلذكری).

فالصلاة إذن ذكر، والغایة من الصلاة الذكر. والطریقة الصحیحة للصلاة هی التی تحقق الذكر فی الصلاة ، وتنشیط القلب بالذكر.

ولا یتأتىللإنسان الذكر من دون 'حضور القلب' فی الصلاة، فإن الذكر هو الحضور، والغفلة الغیاب، ولكی یحقق الانسان فی صلاته حالة الذكر لابد له من تحضیر القلب.

وكما ان'الذكر' و'الغفلة' حالتان متقابلتان، كذلك 'حضور القلب' و'غیاب القلب'. ولا نكاد نفهم أحدهما من دون الآخر. إذن نتحدث أولاً عن 'الغیاب' ثم نتحدث عن 'الحضور'.

غیاب القلب

غیاب القلب فی الصلاة هو انشغال القلب عن ذكر اللّه وعمّا فی الصلاة من الركوع والسجود والقیام. فیؤدّی المصلی هذه الاعمال ویذكر الاذكار ، وهوغافل عنها تماماً. وهو آفة الصلاة والذكر، فلا یضر الصلاة ویفسد الذكر مثل الغفلة والغیاب.

وسبب الغیاب هجوم الأفكار والخواطر على قلب المصلی أثناء الصلاة،وشرود القلب فی هذا الهجوم، عن ذكر الله تعالى فی الصلاة.

والسبب فی هجوم الافكار والخواطر على القلب، والسبب فی شرود القلب عن الصلاة هو عدم وجود تحصیناتللقلب.. كأی هجوم آخر یقوم به العدو على مراكزنا ومعاقلنا.

والقلب مركز ذكر اللّه ومعقله، فاذا كان القلب مزوّداً بتحصینات مكافئة لهجوم العدوّ یقاوم هذاالهجوم، ویحبطه، ویبطله، وإذا كان القلب ضعیفاً فی مواجهة العدو یتعرض لا محالة لغزو واسع من ناحیة الافكار والخواطر التی تهجم علیه. ونتیجة هذا الهجوم شرود القلب عن ذكراللّه فی الصلاة. وهذا الشرود هو الغیاب والغفلة التی تحدثنا عنها.

وهو كما ذكرنا آفة الصلاة والذكر، وهو آفة واسعة یكثر ابتلاء الناس بها فی صلاتهم، وقلمایخلو منها إنسان. ولیس علاج هذا الابتلاء فی الاعتزال عن الحیاة ونشاطاتها وساحاتها، وإنما علاجه فی تحصین القلب.

فان القلب إذا كان ضعیفاً قد یشغله ما لاقیمةله من متاع الدنیا وزینتها، كالساعة التی على معصمه والقلم الذی بیده. واذا كان القلب قویاً، محصّناً ضد هذه الهجمات فلا تخترقه دنیا هارون الرشید وملكه وسلطانه.

تقول عائشة: كان رسول الله(صلى الله علیه وآله) بیننا نحدّثه ویحدثنا، فاذا حان وقت الصلاة فكأنه لا یعرفنا وكأننا لا نعرفه.

وهذه الوقایة والحصانة هو معنى'الزهد' الذی یرغّب الیه الاسلام. فان الزهد هو أن لا تستغرق الدنیا اهتمامات الانسان وقلبه، ولیس أن لا ینال یده من الدنیا شیئاً.

فقد یملك الانسان من الدنیاالكثیر، عن حلال ، دون أن تستغرق الدنیا قلبه واهتمامه، وبین هذا وذاك فرق.

والذی یدعو الیه الاسلام هو الزهد بهذا المعنى، ومع ذلك فإن رسول اللّه(صلى اللهعلیه وآله) كان یكره التعرض للدنیا ومتاعها وطیباتها عن حلال، ولا یحرمه، إمعاناً فی الاحتیاط من هذا الابتلاء الذی یشغل الانسان عن الله تعالى وذكره، ویصیب قلبهبالشرود والغفلة. ومن عجب أن تحصین القلب یتم بالذكر والتقوى، والذكر هو أحد العاملین الرئیسیین فی تحصین القلب.

عوامل تحضیر القلب للصلاة

فی مقابلالغیاب والشرود حضور القلب، وهو حالة الانتباه والذكر والانشداد الى الله تعالى، بخلاف حالة الغیاب التی هی حالة النسیان والشرود.

وعوامل تحضیر القلب للصلاة أربعة أمور: 'التحصین'، 'التفریغ'، 'والوعی والتعقل'، و'التفاعل'، بالتوضیح التالی:

1- تحصین القلب عن الانشغال بغیر ذكر الله.

2- تفریغ القلبعن الشواغل التی تشغل المصلی عن صلاته.

3- وعی صفات الله الحسنى الجلالیة والجمالیة. وهو أمر غیر تفریغ القلب، فقد یفرع الانسان قلبه عن كل المشاغل، ولكن لا یعیمن أسماء الله وصفاته الحسنى وجلاله وجماله غیر أمر بسیط، ساذج على قدر سذاجة معرفته باللّه تعالى.

4- التفاعل مع الخطاب الالهی فی الصلاة. وهذا التفاعل لهمظاهر مختلفة.

منها الخشوع فی الصلاة، والتعظیم والتهیب، والخوف، والرجاء، والحیاء.

فاذا جمع الانسان هذه العناصر الاربعة أمكنه الله تعالى منتحضیر قلبه للصلاة، وفتح الله علیه من كنوز الصلاة مالا یدركها إلا القلیل ولا یتلقاها الذین یقیمون الصلاة فی حالة الغفلة والشرود النفسی.

الصلاةرحلة الى اللّه

الصلاة رحلة الى اللّه تعالى، والى هذه الحقیقة یشیر الحدیث الشریف: 'الصلاة معراج المؤمن'.

وفی الصلاة یعرج الانسان الى اللّه،ومهما كان عروج الانسان فی صلاته أكثر كان أقرب الى اللّه تعالى.

وأقرب ما یكون العبد فی صلاته الى اللّه حالة السجود، والى هذا المعنى تشیر آیة السجدة من سورةالعلق: (اسجد واقترب).

وروی عن الامام الصادق(علیه السلام): 'اقرب ما یكون العبد الى اللّه عزوجل وهو ساجد'(1).

وغایة هذه الرحلة هو اللّه تعالى ، ویمرالانسان خلال هذه الرحلة على مشاهد بهیجة من الشكر، والذكر، والاستغفار، والدعاء، والقنوت، والاستعانة، والعبادة، والتكبیر، والركوع، والسجود، والقنوت، والتشهد،والتسلیم، والثناء، والمدح، والتوحید، والاستغفار، والتضرع، والخشوع.. الخ

وكل واحد من هذه المشاهد روضة بهیجة من ریاض الذكر والعبودیة، یعرف قیمتها، ومافیها من لذة وقرة عین، أولئك الذین رزقهم اللّه وعی هذه المباهج واللذات العقلیة والروحیة. وللاسف أن یمر الانسان بهذه المشاهد البهیجة، وهو غافل عنها، شارد منها لا یسمعولا یرى من مباهجها شیئاً ولا یستنشق من عَبیرها شیئا.

والحضور فی هذه المباهج العقلیة والروحیة فی 'الوعی والتعقل' اولاً وفی التفاعل والتعاطف الروحی ثانیاً.

وهما لا یتحققان من دون أن یفرغ الانسان قلبه عن كل شیء یشغله عن ذكر اللّه، ولا یتیسر للانسان هذا الاخیر دون أن یحصّن الانسان قلبه عن الانشغال بغیر ذكراللّه.

فاذا جمع اللّه تعالى له هذ الاربعة وجد الانسان فی صلاته لذة لا تعادلها لذة، وبهجة لا تعادلها بهجة، ولا یكاد یشغله عن صلاته وذكره شیء، فلا یجدالانسان فی هذه الحالة أمراً الصق بقلبه من الذكر والصلاة حتى یشغله عنها. وعندئذ یتفاعل الانسان مع صلاته بأنواع من التفاعل من الشوق، والانس، والخوف، والرغبة،والرهبة ، والحیاء، والتعظیم والخشوع، والشكر، والاستغفار.

والتفاعل نتیجة حضور القلب فی الذكر والصلاة وفی نفس الوقت أمارة حضور القلب فی الصلاة.

وعن هذا التفاعل یقول أمیر المؤمنین(علیه السلام) فی خطبة المتقین:

'واذا مرّوا بآیة فیها تشویق ركنوا الیها طمعاً، وتطلعت نفوسهم الیها شوقاً، وظنوا أنهانصب أعینهم. واذا مرّوا بآیة فیها تخویف أصغوا الیها مسامع قلوبهم، وظنوا أن زفیر جهنم وشهیقها فی أصول آذانهم'.

2- فضیلة وقیمة حضور القلب

منالمحقق أن قیمة الصلاة بحضور القلب، ولیس للمصلی من صلاته الا ما أقبل علیها بقلبه. وقد دلت الروایات على ذلك. عن رسول اللّه(صلى الله علیه وآله): 'كم من قائم حظه من صلاتهالنصب والتعب'(2).

وعنه (صلى الله علیه وآله): 'لیس للعبد من صلاته الا ما عقل منها'(3).

وعن الامام الباقر(علیه السلام): 'إذا أقمت للصلاة فعلیك بالاقبالعلى الله، فانما لك من الصلاة ما أقبلت علیه بقلبك'(4).

وعن جعفر الصادق(علیه السلام): 'لا تجمع الرغبة والرهبة فی قلب الا وجبت له الجنة، فاذا صلیت فأقبل بقلبكعلى اللّه عزوجل، فانه لیس من عبد مؤمن یقبل بقلبه على الله عزوجل فی صلاته ودعائه إلا أقبل اللّه عزوجل علیه'(5).

وقد تكون الصلاة فارغة تماماً من ذكر وإقبالعلى اللّه، ولیس فیها من الصلاة الا الشكل والمظهر.. فیضرب بها وجه صاحبها.

فی الحدیث عن رسول الله(صلى الله علیه وآله) : 'إن من الصلاة لما یقبل الا نصفها وثلثهاوربعها وخمسها الى العشر، وإن منها لما تُلَفّ كما یُلَـفَّ الثوب الخلق، ویضرب بها وجه صاحبها. ومالك من صلاتك إلا ما أقبلت علیه بقلبك'.

لم یقبل اللّه له صلاةخمسین سنة:

وقد یصلّی الانسان خمسین سنة فلا یتقبل اللّه منه صلاة خلال خمسین سنة، فما أكثر حرمان هذا الانسان وشقائه.

عن الصادق(علیه السلام):'واللّه إنه لیأتی على الرجل خمسون سنة، وما قبل اللّه منه صلاة' فأی شیء أشد من هذا؟! والصلاة التی لا یتقبلها اللّه هی التی لا ینتفع بها صاحبها. وبین القبول والنفع صلةوعلاقة، فكلّما كانت استفادة المصلّی من صلاته أكثر كانت الصلاة أقرب الى القبول. والفائدة التی یجنیها المصلی من صلاته هی الاقبال على اللّه، والذكر، وانفتاح القلب علىاللّه، والاحساس بالحضور بین یدی اللّه تعالى قائماً وراكعاً وساجداً.

وكلما كان حظ الانسان من هذا الاحساس والانفتاح والاقبال على اللّه اكثر كانت صلاتهأقرب الى القبول من اللّه.

من ضیّع صلاته ضیّعه اللّه:

ومن الناس من یحافظ على صلاته كما یحافظ الانسان على ما عزَّ وغلا من متاعه، فی قیامهاوركوعها وسجودها، ویقبل فیها على اللّه، ویحسن أداء أذكارها وینقطع فیها الى اللّه، ویتخذها رحلة الى اللّه.. أولئك یحفظهم اللّه.

ومن الناس من یضیع صلاته،ولا یحفظ حرمتها، ولا یعطیها ما تستحق من الاهتمام والاقبال، والانشداد، ویصلی، وهو منصرف عن صلاته.. أولئك یضیّعهم الله.

وفی الحدیث عن الامام الصادق: 'إنالعبد إذا صلّى فی وقتها، وحافظ علیها ارتفعت بیضاء نقیّة، تقول : حظفتنی حفظك اللّه، وإذا لم یحافظ علیها ارتفعت سوداء مظلمة تقول: ضیعتنی ضیعك اللّه'.

المعادلة بین الاقبال والقبول:

إذن قیمة الصلاة عند اللّه تعادل إقبال المصلی فیها على اللّه. فكلما یكون إقبال الانسان على اللّه فی صلاته أكثر، تكون قیمةالصلاة عند اللّه اعظم.

روی عن رسول اللّه(صلى الله علیه وآله) : 'ان العبد لیصلّی الصلاة لا یكتب له سدسها ولا عشرها، وإنما یكتب للعبد من صلاته ماعقل منها'(6).

وجوب الاقبال على اللّه فی الصلاة:

یذهب بعض الفقهاء الى وجوب الاقبال فی الصلاة، وإن لم یكن شرطاً فی صحة الصلاة، وقد أمر اللّه تعالى بذلك فیكتابه یقول تعالى: (وأقم الصلاة لذكری).

فأمر اللّه تعالى بالصلاة من أجل الذكر فالامر بالصلاة أمر بالذكر.

ونهى اللّه تعالى عن الغفلة (ولا تكن منالغافلین)(7).

وأبرز مصادیق الغفلة المنهی عنها الغفلة فی الصلاة ، ویعلل القرآن النهی عن الصلاة فی حال السكر. یقول تعالى: (حتى تعلموا ما تقولون)(8).

منهاج تحضیر القلب فی الصلاة:

نتحدث أولاً عن المناهج الاساسیة والأولیة لتحضیر القلب فی الصلاة، ثم نتحدث عن المناهج الفرعیة والثانویة. وقد سلك أصحابالعرفان مناهج مختلفة فی تحضیر القلب للصلاة، نذكر أهمها.

1- منهج الاهتمام:

ولیس من شك أن الاهتمام من عوامل الانتباه، وكلما یكون اهتمامالانسان بأمر أكثر یكون انتباههه الیه أكثر. وبالعكس القضیة التی لا تأخذ من اهتمام الانسان لا ینتبه الیها الانسان. ولما كانت الدنیا أكثر اهتمامات الناس فانها لا محالةتشغلهم عن صلاتهم وتصرفهم عنها، فاذا أقبل الانسان على صلاته یبقى قلبه مشغولاً بما یهمه من أمر دنیاه.

وهذه قضیة واضحة، فإن الانسان إذا واجه أمرین وكاناهتمامه الى أحدهما أعظم من الآخر انصرف الیه بقلبه، وإن كان مشغولاً بالآخر.

وإنما ینصرف الناس عن صلاتهم الى ما یهمهم من أمور دنیاهم لأن اهتمامهم بها أعظممن اهتمامهم بالصلاة. فاذا وعى الانسان قیمة الصلاة، وما أودع اللّه تعالى فی هذه الرحلة من مباهج ولذات للعقل والروح، ومن الثواب فی الاخرة، ووعى (والآخرة خیر وأبقى)(9).انقلب الأمر لا محالة، وانصرف الى صلاته وذكره. اذن تحضیر القلب یتم بتحویل الاهتمامات، واذا تمكن الانسان أن یحوّل اهتمامه من الدنیا ومتاعها الى اللّه تعالى، وجعلاهتمامه للدنیا تبعاً لمرضاة اللّه تعالى وأمره ونهیه كانت صلاته إقبال على الله وذكر للّه وانصراف وانقطاع الى الله.

إذن الخلفیة النفسیة لمسألة حضور القلبفی الصلاة هی قضیة الاهتمامات، ومالم یحول الانسان اهتماماته من 'الأنا' الى 'اللّه' ومن 'الدنیا' الى 'الآخرة'... لا یتمكن من أن یؤدی الصلاة أداءً حسناً، بالاقبال والذكروالانشداد.

ولا شك أن هذا الأمر صحیح فی حد نفسه. إذ أن ذلك لا یكفی لتحضیر القلب.

2- المنهج الثانی التركیز:

وهو محاولة التأملوالتدبر فی أعمال الصلاة وأذكارها والانتباه الیها. والى هذه المحاولة یشیر الغزالی فی إحیاء العلوم، فیقول: 'إذا سمعت نداء المؤذّن فاحضر فی قلبك حول نداء یوم القیامة،وأعرض قلبك على هذا النداء، فان وجدته مملوءً بالفرح والاستبشار، مشحوناً بالرغبة الى الابتدار فاعلم أنه یأتیك بالبشرى والنور یوم القضاء.

أما النیة، فاذاانطلق به لسانك فینبغی ألا یكذبه قلبك، فان كان فی قلبك شیء هو أكبر من اللّه سبحانه، فاللّه یشهد إنك لكاذب.

وإذا قلت أعوذ باللّه من الشیطان الرجیم فاعلم أنهعدوك، ومترصد لصرف قلبك عن الله، حسدا لك على مناجاتك مع اللّه.

واذا قلت بسم اللّه الرحمن الرحیم فانوبه التبرك لابتداء القراءة، وافهم أن معناها أن الاموركلها باللّه، واذا قلت (الرحمن الرحیم) فاحضر فی قلبك جمیع أنواع لطفه..

ثم جّدد الاخلاص بقولك (ایاك نعبد)، وجدّد العجز بقولك: (ایاك نستعین)(10).

والىهذا المنهج یوصی جمع من أهل العرفان. وطبیعی إن معاناة المصلّی فی التركیز فی أعمال الصلاة وأذكارها تخفّ كلما تمرّس الانسان فی هذا المجهود أكثر، شأن كل جهد ومجهود،فكلما یتمرس الانسان فی عمل یخف علیه الجهد الذی یتطلّبه ذلك العمل، حتى یقوى على ممارسته فی یسر وسهولة، ومن غیر جهد ولا مشقة.

والتركیز یفتح أبواب معارفالقرآن والصلاة والذكر على قلب الانسان، ومهما تدبر الانسان وأمعن فی التأمل فی معانی القرآن والصلاة والذكر فتح اللّه تعالى له من معارفها مالم یعرفه من قبل.

3- المنهج الثالث تفریغ القلب:

وهو منهج مألوف ومعروف عند أرباب العرفان، وهذا المنهج یقرب من المنهج الاول.

وأساس هذا المنهج أن قلبالانسان إناء واحد، لا یتّسع لذكرین واهتمامین، یقول تعالى: (ما جعل اللّه لرجل من قلبین فی جوفه)(11).

فاذا كان قلب الانسان مشغولاً بشواغل الدنیا، فلا یستطیعأن ینصرف الى ذكر اللّه تعالى، وتبقى هذه الشواغل تلاحقه، وتطارده ، حتى فی صلاته، وهذه الشواغل على نحوین:

شواغل خارجیة، وأخرى داخل النفس، والثانیة أشق منالاولى.

أما الشواغل الخارجیة فهی ما تحیط الانسان وتشغل باله، مثل زخرفة مكان المصلّی ونقوش الفرش الذی یصلّی علیه الانسان.

ولذلك وردت الكراهةفی زخرفة المساجد، واستقبال الصور والرسوم فی الصلاة. وكان الصالحون یكرهون الصلاة فی المواضع التی توجد فیها الصور والنقوش والزخارف.

وكان رسول اللّه(صلىالله علیه وآله) یكره أن یصلی فی الثوب الملّون. روی أن أباجهم أهدى قمیصا علیها علم الى رسول اللّه وصلى بها رسول الله ثم نزعها، وقال اذهبوا بها الى أبی جهم(12). وروی أنهأُهدی الیه(صلى الله علیه وآله) ثوب ملون، فصلى فیه ثم ردّه الى صاحبه. وكان رسول اللّه(صلى الله علیه وآله) لبس نعلاً فاعجبه حسنها فسجد فقال تواضعت لربی عزوجل كی لایمقتنی، ثم خرج فدفعها الى أول سائل لقیه ثم أمر علیاً(علیه السلام) أن یشتری له نعلین جرداوین.

وأهم من الشواغل الخارجیة الشواغل الداخلیة فی النفس، وهیالاهتمامات التی تشغل المصلی عن صلاته وذكره، وتشتت باله، وتكدر صفاء نفسه، وترهقه بالطمع والحسد والجشع وطول الامل، وكل ذلك عوامل تعیق الانسان عن صلاته، وتشغله عنها.یقال: إن أبا العباس الجوالیقی كان یبیع الجوالق (الخرج) فی بدء أمره، فباع بعض ما عنده من الجوالق لشخص نسیئة، ولم یكتب اسمه، فحاول أن یتذكره فلم یقدر على ذلك. فلما وقفللصلاة تذكره فی الصلاة فذكر للغلام الذی كان یعمل معه فی محله. فقال له الغلام: وكیف تذكرته؟ قال: ذكرته فی الصلاة. فقال له الغلام: كنت تصلی یا أبا العباس أم تبحث عنالجوالق؟ فتنبه أبو العباس الى خطأه، وندم على فعله، وباع الجوالق والمحل، وتفرّغ للعبادة. وعرف بالصلاح والتقوى.

وإذا كان أبو العباس قد وفق فی التخلص عنتعلقه بتجارة الجوالق ببیع المحل والجوالق مرة واحدة، فلم یوفق فی المنهج الذی اتخذه للتخلص عن تعلقه بتجارة الجوالق ، فلیس من منهج الاسلام أن یعتزل الانسان الحیاةالدنیا لكی یتخلص من التعلق بها، فان هذا المنهج السلبی فی التخلص من التعلق بالدنیا لیس من الاسلام فی شیء.

والمنهج التربوی فی الاسلام فی التخلص من التعلقبالدنیا هو تمكین النفس من التحرر من العلاقة بالدنیا، ولیس اعتزال الدنیا. فقد یرتبط الانسان بالسوق والمجتمع والسیاسة بشبكة من العلاقات، فاذا قام الى الصلاة، تمكن انیحجب نفسه مرة واحدة عن كل هذه الشبكة ، ویقطع ما بینه وبینها مرة واحدة. روی عن الامام الصادق: 'إذا استقبلت القبلة، فآیس من الدنیا وما فیها، والخلق وما هم فیه، واذكروقوفك بین یدیه یوم تبلو كل نفس ما سلفت'.

وإذا تمكن الانسان أن ینتزع نفسه مرة واحدة من الدنیا استطاع أن یفرّغ قلبه للصلاة، ویقبل على اللّه فی صلاته.

وقد كان یقول بعض أهل العرفان: یقول الناس افتح عینیك لترى ، وأنا أقول اغمض عینیك لترى. وهو كلام صحیح ودقیق، فإنّ الانسان إذا تمكن أن یحجب نفسه عن الدنیا وینتزعنفسه منها فی الصلاة آتاه الله تعالى فی صلاته الوعی والبصیرة، وبصّره بما لا یبصره الآخرون. ولكن، قلیل أولئك الذین یتمكنون أن ینتزعوا أنفسهم مرة واحدة من الدنیا إذاحان وقت الصلاة، ووقفوا بین یدی ربهم سبحانه وتعالى.

4- منهج الخطاب

عندما ننظر فی كتاب أو نستمع الى محاضرة قد نصاب بشرود الذهن، وكذلكالامر عندما نقرأ كتاباً بصوت مسموع. ولكن عندما نخاطب احداً أو نتلقى خطاباً من احد بالمواجهة لا نصاب بالشرود، وهذه أربع حالات، یصیبنا الشرود فی الحالتین الاولییندون الاخیرتین. والسبب فی ذلك هو وجود عامل الخطاب فی الاخیرتین، وفقدان الخطاب فی الاولیین. فعندما یخاطب الانسان احداً یشده الخطاب الى المخاطَب (بالفتح) ، وكذلك عندمایتلقى من احد خطاباً یشده الخطاب الى المتكلم من دون تكلّف ولا معاناة ولا حاجة الى التركیز.

ففی حالة الخطاب ینشد الانسان الى 'المخاطب' (بالفتح والكسر)، بسببعامل الخطاب. إذن 'الخطاب' من أهم عوامل الانشداد.

وهذا أصل مهم نتوقف عنده ونستفید منه فی 'الدعاء' واداء 'الصلاة' وقراءة 'القرآن'.

النظرة المرآتیةوالموضوعیة الى الكلمات:

والكلمات فی الخطاب مرایا وأدوات لفهم المعنى، وینبغی أن یكون النظر الیها من قبیل نظر الانسان فی المرآة، وشتّان بین أن ینظرالانسان فی المرآة (كما لو اراد ان یعرف نوع المرآة ویختبر زجاجها) وان ینظر بالمرآة كما لو اراد ان ینظر الى وجهه فی المرآة. والثانیة هی النظرة المرآتیة وهی التییستخدمها الانسان فی استعمال الكلمات أو ما یتلقاها من الخطاب، واما النظرة الاولى الى الكلمات (وهی النظرة الموضوعیة) فلا تنفع المتكلم او المستمع فی الخطاب، وقد تضروتشغل الانسان عن الخطاب فی الحالتین (توجیه الخطاب أو تلقی الخطاب).

والتركیز فی الخطاب قد یحول نظر الانسان الى الكلمات من حیث لا یعلم من النظرة المرآتیةالى النظرة الموضوعیة، وعندئذ لا یكون هذا التركیز نافعاً فی الانشداد الى الخطاب، بل قد یضر، ویحجب الانسان عن الخطاب.

وعلیه; فان التركیز الزائد والمكلّففی الكلمات قد یؤدی دوراً عكسیاً فی انشداد الانسان الى الخطاب، بعكس حالة الترسل فی أداء الكلمات وتلقیها اذا اقترنت بحالة الخطاب.

سأل أحد الصالحین بعضالعلماء كیف تصلی؟ فقال له: ابذل جهداً كبیراً فی التركیز على أذكار الصلاة والتأمل فیها؟ فسأل العبد الصالح: فمتى تصلی إذن؟ وهذه حقیقة عمیقة على بساطة السؤال والجواب،فان الافراط فی التركیز قد یحول من حیث لا یشعر الانسان نظره من النظرة الآلیة والمرآتیة الى النظرة الموضوعیة، فیعیق الانسان عن صلاته.

الخطاب الصاعدوالنازل:

واذ عرفنا أنّ عامل 'الخطاب' له دور كبیر فی انشداد الانسان الى 'الصلاة' و'الدعاء' و'القرآن'.. لابد أن نشیر الى أن الخطاب على نحوین: الخطاب الصاعد منالعبد الى اللّه. والخطاب النازل من الله تعالى الى العبد.

والخطاب الصاعد هو 'الصلاة' و'الدعاء' ، وهو القرآن الصاعد، والخطاب النازل هو 'القرآن' النازل من عندالله على الناس.

فالذی یصح فی الصلاة یصح فی الدعاء، فان الصلاة والدعاء فی جوهرهما خطابان صاعدان من العبد الى اللّه تعالى، والذی یصح فی 'الصلاة' و'الدعاء'یصح فی قراءة القرآن، فان القرآن خطاب نازل من الله تعالى الى عباده.

وهذه القراءات الثلاثة تشترك فی اصل الخطاب، ویتمیز 'القرآن' عن الدعاء الصلاة أنه خطابنازل من عند الله دون الصلاة والدعاء. فاذا استشعر الانسان عنصر الخطاب فی 'الصلاة' و'الدعاء' و'القرآن' سواء كان الخطاب الى الله أو من اللّه تعالى فان عنصر الخطاب یشدهالى الصلاة والدعاء والقرآن.

استشعار الخطاب (من) و(الى) اللّه:

واستشعار الخطاب من اللّه، والى اللّه من شأنه أن یشد الانسان الى الخطاب من دونتكلّف ولا معاناة. والصلاة خطاب صاعد من العبد الى اللّه.

وخطابات الصلاة كلها أو أغلبها من هذا القبیل نحو (إیاك نعبد وإیاك نستعین، اهدنا الصراط المستقیم).أو خطاب بالمدح والثناء والحمد نحو: (الحمد لله رب العالمین. الرحمن الرحیم) أو خطاب تعظیم نحو 'سبحان ربی العظیم وبحمده'. أو خطاب تكبیر وتألیه وتسبیح وحمد نحو 'سبحاناللّه والحمد للّه ولا إله الا اللّه واللّه أكبر'.

وهكذا سائر الاذكار فی الصلاة من خطاب العبد للّه تعالى: 'اللهم إنی أسالك برحمتك التی وسعت كل شیء وبقوتكالتی قهرتَ بها كل شیء وخضع لها كل شیء.. اللهم اغفر لی الذنوب التی تهتك العِصَم. اللهم اغفر لی الذنوب التی تغیر النعم. اللهم اغفر لی الذنوب التی تحبس الدعاء'.

والقرآن خطاب اللّه تعالى الى عباده. وما من شیء ألذ الى قلب المؤمن من ان یصغى الى خطاب الله تعالى له فی القرآن. وقد روى بعض الصالحین انه كان یقول: قرأت القرآن حتى أحسستان الله تعالى یخاطبنی به، فما وجدت شیئاً ألذ الى قلبی منه ولا أكاد أشبع منه، ولا اصبر على مفارقته ولیس للقلوب المؤمنة لذة اكبر من أن تصغی الى خطاب اللّه تعالىالمباشر له: (یا أیها الذین آمنوا ادخلوا فی السلم كافة)(13)، (یا ایها الذین آمنوا انفقوا مما رزقناكم)(14)، (یا أیها الذین آمنوا اتقوا اللّه حق تقاته)(15)، (یا أیها الذینآمنوا كونوا قوامین بالقسط شهداء للّه)(16)، (یا ایها الذین آمنوا اتقوا اللّه وابتغوا الیه الوسیلة)(17).

فاذا استشعر المؤمن خطاب اللّه تعالى له فی القرآن،وخطابه له تعالى فی 'الصلاة' و'الدعاء' لم یصرفه عنه شیء، ولا یجد أمراً ألذّ الى قلبه وعقله منه .

عوامل الاستشعار بالخطاب الالهی:

والآن نتساءل:ماهی العوامل التی تشعر الانسان بالخطاب الالهی فی 'الصلاة' و'الدعاء' وقراءة 'القرآن'؟

ولست أرید أن أدخل الآن البحث فهو بحث واسع، وفی نفس الوقت هام ونافع، لایسعه هذا المقال. ولكننی أُشیر الى عامل واحد فقط من عوامل الاحساس بالخطاب الالهی، وذلك هو وعی حضور الله تعالى، والایمان بحضور اللّه من شروط الایمان باللّه، ولكن وعیالحضور الالهی من مراتب الایمان العالیة، وقلیل هم أولئك الذین یستشعرون حضور اللّه بشكل دائم فی الخلوات والجلوات. فاذا استشعر الانسان حضور اللّه تعالى وجد فی الخطابالالهی لذة لا تفوقه لذة، ولا یكاد یصبر علیها.

وأی لذة اعظم من أن یخاطب الانسان رب العالمین بضمیر الخطاب الحاضر فیقول (إیاك نعبد وایاك نستعین). أو یصغى الىخطابه تعالى له: (یا أیها الذین آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجیكم من عذاب الیم)(18).

وإنما یغیب قلب المصلی عن هذا الخطاب الصاعد الى الله وذاك الخطاب النازل منعند اللّه لأن الانسان لا یعی بعمق وبصورة قویة حضور الله تعالى.

وقد أولى القرآن اهتماماً كبیراً بهذه المسألة ، وجعلها من أسس بناء الشخصیة الایمانیة، یقولتعالى: (ولقد خقلنا الانسان، ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب الیه من حبل الورید)(19).

ویقول تعالى: (واعلموا أن اللّه یحول بین المرء وقلبه، وأنه الیهتحشرون)(20)وهو من أرق التعبیر وألطفة فی الحضور الالهی، وفی تحسیس الانسان بحضور الله، ویقول تعالى: (ألم تر أن الله یعلم مافی السماوات ومافی الارض، ما یكون من نجوى ثلاثةإلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر الا هو معهم أینما كانوا، ثم ینبؤهم بما عملوا یوم القیامة، إن اللّه بكل شیء علیم)(21).

آثاروبركات وعی الحضور الالهی فی حیاة الانسان:

ولهذا الوعی بركات كثیرة وعظیمة فی حیاة الانسان، منها الاحساس القوی النافذ بخطاب اللّه تعالى، ومنها الخشوع فیالصلاة، والخوف والرهبة من اللّه تعالى، ومنها الشوق الى الله والانس باللّه، وحب اللّه، ومنها التوكل على اللّه والثقة باللّه، والانس بذكر اللّه، وعدم الاستیحاش منالانفراد والوحدة.

ومنها 'المراقبة'، وهی من عوامل تنظیم وضبط السلوك، ومن اسس المنهج التربوی فی الاسلام، فان الانسان إذا أحس بشكل قوی بحضور اللّه تعالى،تملأ نفسه الرهبة والخوف من عند اللّه القوی المتعال. وإذا شعر الانسان بحضور اللّه ومعیته تعالى للانسان فی كل حالاته (وهو معكم أینما كنتم واللّه بما تعملون بصیر)(22) .یشعر شعوراً قویاً بالرقابة الالهیة على سلوكه، بل على ما توسوس به نفسه (ونعلم ما تسوس به نفسه) مما لا یكاد أن یطلع علیه أحد غیر اللّه.. وعندئذ یراقب الانسان بنفسهسلوكه ینظمه ویضبطه.

وإذا شعر الانسان فی صلاته بالحضور بین یدی اللّه، امتلأت نفسه بجلال حضور اللّه، والمغزى الدقیق للخطاب الالهی فیغلبه لا محالة الخشوعفی الصلاة.

واذا وعى الانسان حضور اللّه تعالى، وتجسدّ له جمال الصفات والاسماء الحسنى یهیم بذكر اللّه، وتمتلیء نفسه بحب اللّه، والشوق الى اللّه، والانسبذكر اللّه تعالى، حتى لا یكاد أن یشبع من ذكر اللّه، ولا أن یصبر على مفارقة الذكر والصلاة.

الجهد النفسی الذی یتطلبه وعی الحضور:

ولاشك أن وعیالحضور، بصورة قویة واضحة، كما ذكرنا، أمر عسیر وصعب، ولا یناله الانسان الا بجهد ومعناة نفسیة كبیرة. ولكن كلما تمرس الانسان فی هذه الجهود، كما ذكرنا قبل قلیل، تقلدرجة المعاناة وتزداد درجة الوضوح والقوة فی هذا الوعی كأی جهد ومجهود آخر فی حیاة الانسان، حتى یكون وعی الحضور الالهی أمراً یسیراً للانسان، فیعی حضور اللّه معه فیخلواته وجلواته، كما یعی بعضنا حضور البعض، بوضوح وقوة، ومن دون حاجة الى معاناة.

وعی الخطاب الالهی:

إذن; وعی الحضور الالهی هو مفتاح وعی الخطابالالهی، وهو مفتاح كنوز الصلاة. فاذا وعى الانسان حضور اللّه یشدّ الانسان المؤمن الى خطاب 'الصلاة' و'الدعاء' و'القرآن'. وهذا الانشداد یحصل بصورة طبیعیة، ومن غیر تكلفولامعاناة كبیرة ولا جهد. فاذا انشد الانسان بصلاته، وتفاعل معها، وتفهمها فتحت له الصلاة كنوزها التی أودعها اللّه فیها، فیجد الانسان عندئذ فی صلاته بین یدی اللّه،مالایكاد یفارقها، وقد كان رسول اللّه(صلى الله علیه وآله) یقول عن لذات الصلاة: 'وقرة عینی الصلاة'.

ولما طلب الامام الحسین(علیه السلام) لیلة العاشر من جیشبنی أمیة أن یمهلوهم للصباح لیتفرغوا للصلاة، قال واستشهد الله تعالى: 'اللهم إنك تعلم أنی أحب الصلاة'. وهذا المنهج فی حضور القلب فی الصلاة هو أیسر المناهج وأفضلها اذاطلبه الانسان من موارده الصحیحة.

العوامل المساعدة لحضور القلب:

وهذا الذی ذكرناه من المناهج هو العامل الرئیسی لحضور القلب فی الصلاة، وهناك الىجانب ذلك عوامل فرعیة مساعدة لتحضیر القلب، نذكر أهمها على سبیل الایجاز والاختصار وللتوسعة فی ذلك مجال آخر.. غیر هذا المقال.

ومن هذه العوامل المساعدة:الاذان فی الصلاة، فان أذكار الاذان وفصوله تعد الانسان للحضور بین یدی اللّه تعالى فی الصلاة بصورة موحیة وقویة.

ومن ذلك الاستعاذة، قبل الدخول فی الصلاة،وبدء الدخول فی الصلاة قبل قراءة الفاتحة.

فإن للشیطان - لعنه اللّه - دور كبیر ورئیسی فی الهاء الانسان عن صلاته، فاذا استعاذ الانسان باللّه تعالى فی صلاتهمن الشیطان منع اللّه تعالى الشیطان عنه، وحجبه عن الشیطان، شریطة أن تكون الاستعاذة لجوءً حقیقیّاً الى اللّه تعالى من هذا العدو الخبیث الذی یحاول أن یحجب الانسان عناللّه.

وأما إذا كان المصلی صادقاً فى لجوئه الى اللّه واستعاذته باللّه تعالى من الشیطان.. أعاذه اللّه تعالى لا محالة من اللعین، وحماه منه. ویقول تعالى:(وإمّا ینزغنك من الشیطان نزغ فاستعذ باللّه إنه سمیع علیم. إن الذین اتقوا إذا مسّهم طائف من الشیطان تذكّروا فاذا هم مبصرون)(23). ویقول تعالى عن الاستعاذة باللّه منالشیطان إذا أراد الانسان أن یدخل فی رحاب كتاب اللّه: (فاذا قرأت القرآن فاستعذ باللّه من الشیطان الرجیم. إنه لیس له سلطان على الذین آمنوا وعلى ربهم یتوكلون)(24).

ومن العوامل المساعدة الزمان والمكان، فقد فضّل اللّه تعالى بعض الارض على بعض، كما فضل اللّه تعالى بعض الایام على بعض. وابتغاء هذه 'البقاع' و'الایام' للصلاةوالدعاء والذكر وقراءة القرآن ینفع كثیراً فی تحضیر القلوب الشاردة الى ذكر اللّه. ومن هذه البقاع المساجد، ومن أفضلها المسجد الحرام والمسجد النبوی فی المدینة والمسجدالاقصى ومسجد الكوفة، ومنها مراقد أولیاء اللّه، والصالحین، ومراقد أهل البیت وبشكل خاص الحائر الحسینی، ومن أفضل هذه البقاع وادی عرفة یوم عرفة حیث تصب رحمة اللّهتعالى على الحجاج فیها صباً من غیر حساب. ومن هذه الایام واللیالی لیلة الجمعة ویومها ولیلة القدر، ویوم عرفة وشهر رمضان، ولیلة النصف من شعبان، ولسنا نعلم نحن السر فیاصطفاء هذه البقاع والایام للذكر والعبادة، ولكننا نشعر بشكل واضح أن لهذه البقاع والایام تأثیر واضح على إقبال القلوب على العبادة، وانفتاحها على اللّه تعالى فی الذكروالصلاة والدعاء وقراءة القرآن.

الخلوة والاجتماع:

ومن العوامل المساعدة لتحضیر القلوب للصلاة 'الخلوة' و'الاجتماع'، وكل منهما ینفع فیإقبال القلوب على اللّه تعالى.

ففی الخلوة لا یجد الانسان ما یشغله عن ذكر اللّه، فینصرف قلبه الى ذكر اللّه. ولذلك ورد التأكید فی القرآن الكریم علىالاستغفار فی الاسحار، وورد التأكید فی الروایات على اختیار الاسحار للاستغفار والصلاة یقول تعالى: (الذین یقولون ربنا إنّنا آمنا، فاغفرلنا ذنوبنا، وقنا عذاب النار.الصابرین، والصادقین، والقانتین، والمنفقین، والمستغفرین بالاسحار)(25).

ویقول تعالى: (إن المتقین فی جنات وعیون، آخذین ما آتاهم ربهم ، إنهم كانوا قبل ذلكمحسنین، كانوا قلیلاً من اللیل ما یهجعون، وبالاسحار هم یستغفرون)(26).

والدعاء، والصلاة، والاستغفار فی الاوقات كلها حسن، ولكن للصلاة والاستغفار فی الاسحاروقع فی النفس وتأثیر فی انفتاح القلوب والعقول على اللّه، لا یشبهه وقت آخر. وقد أمر اللّه تعالى نبیه(صلى الله علیه وآله) بدء الرسالة أن یقوم اللیل نصفه او ینقض منهللصلاة والعبادة. یقول تعالى: (یا أیها المزمل، قم اللیل الا قلیلا، نصفه او انقص منه قلیلا، أو زد علیه، ورتّل القرآن ترتیلاً . إنا سنلقی علیك قولاً ثقیلاً، إن ناشئةاللیل هی أشد وطأ وأقوم قیلاً)(27).

واللّه تعالى یسمی نافلة اللیل بـ 'الناشئة'، وهی التی تنشیء الانسان انشاءً، وتصنعه، وتوطّد شخصیته، وتقوّم منطقه. وتعدناشئة اللیل الانسان للقیام بالقول الثقیل والعمل الصعب فی النهار: (انا سنلقی علیك قولاً ثقیلاً).

ولست أقول: إن هدوء الاسحار وخلوتها هی كل السر فی التأكیدعلى الاسحار، ففی الاسحار أكثر من سر، وأكثر من دور فی تشیید شخصیة الانسان وبناء نفسه، ولكن لهدوء هذا الوقت دور بلا شك فی فضیلة هذا الوقت وقیمته. وعلى العموم فإنّالانسان فی الخلوات یجد فی نفسه من الاقبال على اللّه مالا یجدها فی الاجتماعات. ولیس كل اجتماع یضر باقبال الانسان على اللّه تعالى.

فانَّ للاجتماعاتالموجهة، المعدَّة للذكر والصلاة والعبادة تأثیر خاص فی انشداد الانسان بالذكر وانفتاحه على اللّه تعالى، ولذلك ورد التأكید فی حضور الجماعات وأوجب على الناس حخورالجماعات والحج فی حشود المؤمنین. ویلمس الانسان فی مثل هذه الاجتماعات الموجهة المعدَّة للصلاة والذكر والعبادة، فی نفسه من الاقبال على اللّه والانفتاح ورقّة القلبوالتفاعل مع الذكر مالا یجده فی غیره، وكأن تفاعل الانسان مع الذكر والصلاة یتم فی مثل هذه الاجتماعات بقوة 'الجمع'، ولیس بقوة الفرد، كما فی الخلوات. وعلى العموم فان لكلمن الخلوات والاجتماعات الموجّهة دور فی ترقیق القلوب، وتفاعل الانسان مع الذكر والصلاة، وإقبال الانسان على اللّه. ولكل من 'الخلوة'، و'الاجتماعات الموجهة' دور ونكهةوتأثیر لیس للآخر فی الاقبال على الصلاة، والعبادة والانفتاح على اللّه. وقد لا نجانب الحقیقة إذا قلنا: إن مذاق الشریعة هو أداء الفرائض فی الاجتماعات الموجهة ، وأداءالنوافل فی الخلوات.

نسأل الله تعالى أن یرزقنا إقامة الجماعات والجمعات فی جماعة المسلمین، ویرزقنا المناجاة والاستغفار فی الاسحار والخلوات، ویهبنا فیصلواتنا لذة وقرة عین، ویجعلنا من مقیمی الصلاة.

1- من لا یحضره الفقیه 1 / باب 3 - ج 7 .

2- اخرجه النسائی وابنماجه.

3- رواه الغزالی فی أحیاء العلوم.

4- سر الصلاة للشهید الثانی 18 .

5- من لا یحضره الفقیه 1 / 209 .

6- اخر جه ابو داود والنسائی.

7-الاعراف / 205 .

8- النساء / 43.

9- الأعلى / 17 .

10- احیاء علوم الدین للغزالی، كتاب الصلاة.

11- الاحزاب / 4 .

12- خرّجه البخاری.

13-البقرة / 208 .

14- البقرة / 254 .

15- آل عمران / 102 .

16- آل عمران / 125 .

17- المائدة / 35 .

18- الصف / 10 .

19- ق / 16 .

20- الانفال / 24 .

21- المجادلة / 7 .

22- الحدید / 4 .

23- الاعراف / 200 - 201 .

24- النحل / 98 - 99 .

25- آل عمران / 16 - 17 .

26- الذاریات 16 - 18 .

27- المزمل / 1 - 6.